top 0
Zone de Texte: top 0

 

تعليق على مقال

       

       أطلعتنا يومية " الخبر" الصادرة بتاريخ 28/4/2008 وفي صفحتها 27 على مقال عنوانه"الفلسفة.. من التأملات الميتافيزقية إلى النقد الثقافي ". إن ما جاء في هذا المقال يجرّنا إلى ذكر بعض الملاحظات نلخصها فيما يلي:

1- ينزل صاحب المقال لوما على المفكرين المسلمين و يتهمهم بعدم الاعتناء بالفلسفة وبالتخلي عن أدواتها التحليلية والنقدية حتى يخلص إلى القول إن الفلسفة التي " تعتمد على سلطة العقل " تتنافى مع الديـن. هذا غير صحيح بالنسبة للإسلام وحضارته إذ يبين كل الباحثين والدارسين في هذا المجال أن الدين لا يتعارض مع الفلسفة والعقل و يكفينا أن نذكّر هنا بما ألّفه ابن رشد صاحب " فصل المقال" وابن خلدون صاحب "المقدمة" إلى الأمير عبد القادر صاحب  "ذكرى  العاقل " ونشير كذلك إلى المفكرين المسلمين المعاصرين مثل محمد إقبال ومالك بن نبي صاحب " الظاهرة القرآنية" وغيرهم.

 2- وقع صاحب المقال في شيء من التناقض وضرب عرض الحائط وجود ثقافة فكرية وفلسفية مستمرة منذ ظهور الإسلام إلى يومنا هذا فيقول إن " ثقافتنا العربية مزيج غريب من البداوة وقـيم عصور الانحطاط..." فاتّهم المفكرين المسلمين بالركود والجمود والحنين إلى الماضي وعدم القدرة عـلى التكيّف مع العصر الحديث وإنجازاته العلمية والتكنولوجية. هذا غير صحيح إذ أن العـالم الإسلامــي عاش نهضة فكرية ودينية في القرن التاسع عشر قادها  كل من جمال الدين الأفغاني والشيخ محمد عبده وعبد الرحمن الكواكبي و عبد الحميد بن باديس وشكيب أرسلان ومحمد إقبال وغيرهم من أقطاب الفكر الإسلامي. الجدير بالذكر أن هذه النهضة شاملة، دينية وفكرية وعلمية وسياسية.

فانطلقت في ذلك العصر حركة الترجـمة من اللغات الأجنبية إلى العربية والعكس وأصبحنا نتحاور مع الفكر الغربي. نأخذ منه ما ينـاسبنا ونترك غيره. ونشير هنا إلى أن هذا ما قامت به الحضارة العربية الإسلامية من ترجمة الفكر اليوناني وتقديم هذا التراث العظيم إلى الغرب. ذلك هو مصير سائر الحضارات. إنها تتفاعل وتتحاور فيما بينها وتأخذ من بعضها البعض وقد جاء في قوله تعالى ما يؤكد ذلك  (وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ) (سورة آل عمران، الآية  140).

3- يبدو  أن صاحب المقال قد تأثر  بكتاب صدر مؤخرا  عنوانه " مفكرو الإسلام الجـدد" إذ اقتبس منه عبارات طبق الأصل. يلاحظ أن البعض من هؤلاء المفكرين يريدون تحويل العالم الإسلامي كله إلى الحداثة واللائكية و يعني ذلك  انصهاره في العالم الغربي وهم غير مؤهلين لذلك. هذا أمر مستحيل إذ لا يمكن تجديد الفكر الإسلامي إلا من داخل الإسلام الصحيح وبفضل علمائه المجتهدين اجتهادا معترفا به من قبل معظم المسلمين في العالم. وتأكيدا لذلك، طالعتنا في المدة الأخـيرة دوريـة ملحـقة بيومية « Le Monde » الفرنسية بعنوان «  Le Monde2 »  على هؤلاء المفكرين الذين هم أقـلية لا تتمـتع بسمعة طيبة في أوطانها الأصلية. فلجأت إلى بعض الدول الغربية التي تبنتها كلية وفتحت لها وسائـل الإعلام لتعارض بذلك النهضة الإسلامية الصحيحة. إنها تعيش في باريس ولندن وواشنطن وغيرها من العواصم الغربية.

 4- يطالب صاحب المقال في النهاية بالحق في الاختلاف وتعدد الرؤى و الأفكار ويرى أن المشكل الأساسي هو قدسية القرآن، الأمر الذي يتنافى مع النقد الحر وهذا أمر غريب لا يقبله أي مسلم يؤمن بالوحي والرسالة المحمدية. ثم يتحامل على الفقهاء والوعاظ والمرشدين وهذا موضوع آخر. نكتفي بالقول في هذا السياق بأن ابن رشد يجمع بين الدين والفلسفة وهو فيلسوف وفقيه وطبيب. 

وفي الختام أملنا أن يراجع صاحب المقال نفسه ويعيد النظر في آرائه على ضوء هذه الملاحظات ونرجو له التوفيق في ذلك عملا بالآية الكريمة (إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ) (سورة الرعد، الاية11).

 

الجزائر يوم الاثنين 29 ربيع الثاني1429هـ/5 ماي 2008

 خلية الاتصال للمجلس الإسلامي الأعلى