top 0
Zone de Texte: top 0


 

حوار مع جريدة البلاد

17 أكتوبر 2001، العدد 593


سؤال1- كيف تقيمون حصيلة مجلسكم منذ تنصيبه إلى الآن ؟
الدكتور أبو عمران الشيخ رئيس المجلس الإسلامي الأعلى
• التحالف الدولي انحرف عن أهدافه.
• لا ينبغي للمسلم أن يساعد عدو المسلمين.
الدكتور أبو عمران الشيخ هو أستاذ بجامعة الجزائر قبل أن يتقلد رئاسة المجلس الإسلامي الأعلى وقبل ذلك كان وزيرا للإعلام والثقافة. جريء في طرح أفكاره، عقلاني في الدفاع عنها، ومتمسك إلى حد بعيد بالمضمون الحضاري للأمة وبهويتها وثوابتها، يطمح إلى إخراج المجلس الإسلامي الأعلى من نفق الصراعات والعجز والخمول إلى منافسة مرجعيات إسلامية معروفة كالأزهر والزيتونة والقيروان، زارته " البلاد " في مكتبه وسألته عن وضعية المجلس وعن دوره وتركة الأخطاء والانحرافات السابقة وعن ظاهرة الإرهاب ومآلات الأحداث الدولية الأخيرة، فكان هذا الحوار. (حاوره : محمد يعقوبي)
- كيف تقرأون بداية التفجيرات الأخيرة بأمريكا والقصف المتواصل على أفغانستان؟
- بسم الله الرحمن الرحيم، أسباب هذه الأحداث لا تزال غامضة إلى حد ما، مثلما وقع في حرب الخليج التي كان ظاهرها تحرير الكويت، لكن فيما بعد تمّ احتلال أجزاء كبيرة من بلاد العرب، ويبدو لي وللدارس أن يتربص حتى يتفهم الخلفيات، ونلاحظ أنّ الحملة انطلقت من مبدأ مكافحة الإرهاب، وهذا مفهوم، لكن أن تحدث انحرافات ويضرب شعب فقير من طرف أكبر دولة في العالم فهذا لا يقبل إطلاقا، وعلى الأمم المتحدة أن تلعب دورها وأن تنزل الأمور منازلها.
- ما رأيكم في فتوى بعض العلماء بعدم جواز المساعدة على ضرب بلد مسلم، ورأيكم فيما بادرت الجزائر إلى ذلك؟
- نحن نترك السياسة للسياسيين، أما من الجانب الشرعي فنقول إنه لا ينبغي لمسلم أن يساعد عدو المسلمين على المسلمين، وهذا ليس بجديد وهو موجود حتى عند اليهود والنصارى، لأنّ المسلم أخو المسلم على الصواب وعلى العدل، أما إذا انحرف فطرق الإصلاح معروفة من نصح وإرشاد وتوجيه، وعدم جواز المساعدة قالت به هيئات الأزهر ومنظمة المؤتمر الإسلامي ولا خلاف فيه، أما هذا التحالف الموجه ضد الإرهاب بدون تحديد الأهداف والأماكن والأسباب والتحقق من وجودها فهو لا يعقل إطلاقا.
- في رأيكم، هل مرد الإرهاب إلى سوء فهم الإسلام أم إلى تسلط الأنظمة المستبدة؟
- الإرهاب ظاهرة عالمية موجودة في إيرلندا وهي غير مسلمة وفي يوغسلافيا وهي غير مسلمة، بل كان الإرهاب مسلطا على المسلمين في بعض الدول، أما العالم الإسلامي فظاهرة الإرهاب فيه لها أسبابها الاجتماعية وأسبابها الاقتصادية وأخرى سياسية. وأعتقد أنه إذا أردنا التغلب على الإرهاب، فعلينا بدراسته كظاهرة ومعالجة أسبابه، وهو ما يقتضي مثلا في الجزائر التغلب على البطالة وعلى أزمة السكن وأن نحقق العدالة الاجتماعية ونطبق قوانين الدولة على الجميع، والإرهاب أصبح ظاهرة عالمية وإلاّ فماذا يجري في سريلانكا؟ وماذا يجري في إيرلندا؟ (صراع المسيحيين الكاثوليك والبروتستنت)...؟ وهكذا فلا ينبغي أن نظلم الإسلام بأنه يولد الإرهاب أو يساهم في تغذيته، بل بالعكس يدعو الإسلام إلى السلام والأمن والتعايش والمصالحة، وإذا وقعت انحرافات بين المسلمين فهي واقعة أيضا بين المسيحيين واليهود وينبغي إصلاحها ومعالجتها.
- ألا ترون أن ظاهرة الإرهاب قد صعبت من مهمتكم في تصحيح مفهوم الإسلام؟
- أعتقد أن الإرهاب ينبغي تحديده، والتفريق بين الحركات التحررية مثلما يحدث في فلسطين أو ثورة بعض الفئات المتطرفة ضد مجتمعاتها لأسباب سياسية؛ وأعتقد أن مقاومة الفلسطينيين يجب أن تلقى التأييد والدعم، ونحن الجزائريين لنا تجارب مماثلة أثناء حرب التحرير خاصة عندما وصفتنا فرنسا بـ " الفلاقة " و" قطاع الطرق "! وهو ما يعني الإرهاب في الوقت الراهن، لكن في نهاية المطاف رضخت فرنسا للمجاهدين وقامت الجزائر المستقلة، ولا يمكن ونحن في القرن الواحد والعشرين أن نخلط بين الإرهاب والمقاومة؛ وأعتقد أن عودة النمط الاستعماري قد تجاوزه التاريخ بعد الوعي الذي بدأ يجتاح الشعوب المختلفة وهي تعيش عصرها وتاريخها ولا يمكن سلبها هذا الحق، وكما تقر أمريكا وأوروبا بتاريخها لشعوبنا الحق في ذلك أيضا ولا نستطيع رمي خصوصياتنا في البحر واستبدالها بخصوصيات أخرى، وقد فشلت الماركسية في خلق رجل جديد وقامت بمصادرة التاريخ والدين.
- جئتم على رأس المجلس الإسلامي الأعلى وهو يعيش ظرفا سياسيا صعبا، كيف وجدتم وضعية المجلس ومكانته في المجتمع والدولة؟
- في الواقع، المجلس مر بمراحل صعبة معروفة لدى الجميع، والسبب الأول هو مرض رئيسه الأسبق الراحل الدكتور عبد المجيد مزيان، حيث لم تسمح له ظروفه الصحية بتسيير هذه الهيئة كما ينبغي، فاستعان ببعض المساعدين الذين فعلوا ما استطاعوا ولكن ليس لديهم الخبرة والإخلاص اللذين كان يتحلى بهما المرحوم، ومن هذا المنطلق بدأت الأمور في التسيب ووقعت العديد من التجاوزات، وأول عمل قمت به بعد تنصيبي هو تصفية هذا الجو وإعادة ترتيب الموظفين في أماكنهم وإبعاد بعض العناصر التي لا تنسجم مع رسالة المجلس، وقمت في الأيام الأولى من تنصيبي بتشغيل الناس لأنني وجدت المجلس في حاجة إلى نشاط وحركة فقمت بوضع الرجل المناسب في المكان المناسب، وأنا سائر في هذا الإجراء والعملية متواصلة بإذن الله، والآن شغلي الشاغل هو التخطيط لسنة كاملة من النشاط بالتركيز على الدراسات على اعتبار المهمة الاستشارية التي أوكلت لنا، وقررنا في أولى قراراتنا إصدار مجلة خاصة بهذا الشأن وتحسين المجلة الحالية، والعالم العربي سوف نخاطبه بالعربية، والعالم الذي لا يحسن لغتنا سنحاوره باللغتين الإنجليزية والفرنسية، ومن حين لآخر نعوض هاتين اللغتين بالإسبانية أو الألمانية حتى نعمم علاقتنا بالعالم الغربي خاصة ونحن على مشارف أوروبا، ونسعى جادين إلى تصحيح صورة المجلس عند الرأي العام عن طريق النشاط الجاد والمفيد بعيدا عن الدعاية والغطرسة، وسنعتمد على العناصر المثقفة المنتشرة عبر التراب الوطني، البعض نعرفه والبعض الآخر لا يزال مهمشا، كما نسعى إلى إقامة علاقة طيبة مع الصحافة الوطنية حتى يدرك الرأي العام عندنا حقيقة المجلس ودوره، كما شرعت العديد من اللجان بالمجلس في عملها، ونسجل حضورنا عبر كامل الأحداث مثل التي شهدها العالم هذه الأيام والتي أصدرنا بشأنها بيانين، وهو ما ينسجم مع دور المجلس وطنيا ودوليا من خلال المساهمة في الدراسات وحوار الحضارات ونحن سائرين على هذا الدرب بإذن الله تعالى.
- طيب أستاذ..قيل الكثير عن انحرافات إيديولوجية يكون قد وقع فيها المجلس خاصة من خلال توصيات الملتقى " المرأة والأسرة " وكذا " الإسلام والديمقراطية " فهل جئتم لتصحيح المسار أم لإكمال المسيرة؟
- يصعب الفصل بين المرحلتين، هناك مواقف تحتاج إلى إصلاح فأقوم بإصلاحها وهناك أمور أراها في محلها ومكانها فتحتاج فقط إلى تطوير؛ وأعتقد أن الممارسات التي سبق الحديث عنها في المجلس خلال الفترة الماضية تحسب على الأشخاص وليس على المجلس باعتبار أن القرارات كانت بعيدة عن الإجماع والشورى، وإذا انحرف المجلس في تلك الفترة من خلال بعض التصريحات فالمسؤولية هنا على شخص أو أشخاص، وقد نبهت إلى هذا الخطر وطالبت كل أعضاء المجلس فور تنصيبي بالتحلي بروح المسؤولية فلا يمكن لأحد أن يتكلم باسم المجلس إلاّ إذا ناقش المجلس وأجمع على أمر ما، حتى تكون مواقف المجلس جماعية مبنية على دراسة وشورى، وأحيانا نحتاج إلى رأي الخبراء ونستعين بالعديد من الأطراف حتى تكون قراراتنا في محلها.
- أين وصلت مقررات لجنة التحقيق الرئاسية التي أوفدت للتحقيق في التجاوزات المالية والإدارية التي وقعت في المجلس قبل مجيئكم؟
- اعتبر نفسي مسؤولا على المجلس ابتداء من تاريخ تعييني (31 مايو 2001) فقط ولست مسؤولا عما سبق، والتحقيق وقع في حياة المرحوم مزيان عام 2000 وهو الآن بين يدي رئيس الجمهورية، وأنا أريد أن أنطلق انطلاقة جديدة مبنية على الواقع الجديد رغم أني قمت بتصفية بعض الرواسب، وإذا وقعت تجاوزات من فرد معيّن فنطبق عليه القانون بعد استكمال التحقيق حوله وإحالته على لجنة التأديب. أما أن أقوم بمتابعة كل فرد وكل عضو في المجلس في القضايا الماضية فهذا أولا مستحيل وثانيا فهو ليس من مهمتي، وأعتقد أن هذا الموقف هو السليم لأن الاشتغال بهذه الرواسب لا يسمح لي بمزاولة نشاطي كما ينبغي لأن ذلك من شأنه أن يعمق الخلافات والمشادات ويعيق العمل والاجتهاد.
وقد دخلت هذه المعمعة بنيّة تصفية الأجواء وليس لتصفية الحسابات، وأنا ليس لدي حسابات مع أي أحد، وطيلة السنوات التي درّست فيها في جامعة الجزائر لم يسجل عليّ أي مشادات مع أي كان وأمنيتي أن أواصل على هذا المنوال بمساعدة الأعضاء والموظفين المخلصين لهذا المجلس الذي هو هيئة دراسات مكلفة بتقديم الاستشارة لمن يطلبها، ومهمتنا تفرض علينا نشر الثقافة الإسلامية بالاعتماد على التراث المتوفر لدينا ونحن مكلفين بفتح الحوار مع الجهات العلمية التي تساعدنا في هذا الدور لتنمية الحوار بين الثقافات والحضارات والديانات ونجتهد باستمرار لأن المجتهد مأجور سواء أصاب أم أخطأ.
- ما حقيقة علاقتكم مع رئاسة الجمهورية؟ ثمّ ألا ترون أن هذا الارتباط يعيق توخيكم الموضوعية في اجتهاداتكم؟
- انتماؤنا إلى رئاسة الجمهورية هو من باب الوصاية مثل المجلس الأعلى للغة العربية ومثل المحافظة السامية للأمازيغية وغيرهما. ونحاول الحفاظ على استقلالنا العلمي والثقافي، ولا نتدخل في الأمور التي ليست من صلاحياتنا، ونلتزم بالدراسات الإسلامية العلمية، ولا نشتغل بالسياسة ولا بالشعوذة ولا بالقيل والقال، ونحن أيضا أهل اختصاص ولا يدخل معنا إلاّ المختصون، لا نفعل كما فعل الفيلسوف أفلاطون عندما كتب على باب مدرسته المشهورة بالأكاديمية (ومن هنا جاء المصطلح) لن يدخل هنا إلاّ الرياضيون (أي الخبراء في الرياضيات) وقد كانت الفلسفة في ذلك العصر مرتبطة بالرياضيات، لا نحتاج نحن إلى كتابة هذه العبارة على باب مجلسنا إلاّ أننا نقول لن يدخل مجلسنا إلاّ الخبراء والمتخصصون في الدراسات الإسلامية والحضارية المعاصرة. أما المشعوذ والمتعجرف فليس له مكان هنا وكذلك المتطفلون لأننا في دار علم ونحاول التحلي بصفات العلماء المخلصين لوطنهم ولدينهم ولانتمائهم الحضاري.
- لا يخفى عليكم الصراع الحاصل حول الثوابت الوطنية..ما تعليقكم أولا على مقررات لجنة إصلاح المنظومة التربوية؟
- رسالتنا واضحة ونلتزم بالبقاء في حدود هذه الرسالة وعندما يقع تجاوز في ميدان من الميادين التي هي من اختصاص المجلس نقول كلمتنا. أما التصريحات الواردة من الأحزاب والجمعيات فنحن لسنا محامين ندافع عن هذا أو ذاك، غير أننا لن نتساهل في موضوع الهوية لأننا ننطلق من حقائق صلبة ومن يتشكك في هويته فعليه أن يبحث عن هوية أخرى وانتماء آخر. أما نحن فنعلم بأننا ولدنا في قرية جزائرية ولدينا بطاقة تعريف وهوية ودرسنا في المدارس الجزائرية، وحتى إذا درسنا في الخارج بقينا متمسكين بانتمائنا الحضاري والثقافي ولا يمكن أن نتحاور مع من يشك في وجود الشمس ويقول بوجود الضباب حولها ويطعن في الحقيقة الساطعة التي يراها جميع الناس، وتوجد في قرآننا آية نستشهد بها دائما هي قوله تعالى : { وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما} أما إذا أراد البعض محاورتنا انطلاقا من الواقع فنحن نرحب به لأننا مركز علمي له أسسه ومنطلقاته ولأنه لا إكراه في الدين ولا إكراه أيضا في الرأي، والبقاء للأصلح، كما يقول علماء تاريخ الحضارات، والنظريات السديدة مكتوب لها البقاء. أما تلك المغلوطة فمآلها الزوال، وعلى الشعب أن يحكم بين هذه التيارات ويختار من ينسجم مع حقيقته، وأعتقد أن الشعب قد اختار في عدة مناسبات بداية من حرب التحرير إلى ما بعدها، وندعو المتنكرين لواقعهم إلى التوبة ومراجعة آرائهم.
- هناك محاور إسلامية عولجت في إصلاح المنظومة التربوية دون استشارتكم...فما موقفكم منها؟
- كل ذلك يحتاج إلى مراجعة، ومواقفنا من لجنة إصلاح التربية واضحة، ومادام التقرير عند الرئيس فيمكن أن يعاد فيه النظر بعد الدراسة والاجتهاد، وأعتقد أن الرئيس قد أشار إلى اللجوء إلى استفتاء الشعب حول الموضوع أو عرضه على مناقشة المجلس الوطني الشعبي، وأقول إنه يجب أن يتكلم في التربية الإسلامية من له خبرة في هذا المجال كما هو حال الرياضيات وبقية العلوم الأخرى، ولاحظنا في تشكيلة هذه اللجنة أن الغالب في عناصرها من لا علم لهم ولا دراية بهذه الأمور، وأكثر من ذلك كانت عندهم مواقف أيديولوجية مسبقة، وكان ينبغي إبعاد هذه المواقف الأيديولوجية عن الأمور الجادة خاصة إذا تعلق الأمر بالتربية الوطنية وهي أساس كل شيء، ونحن نريد منظومة تربوية تسير مع عصرها ولا تتنكر لأصلها، ولم أر أي نظام تربوي في العالم يمحو كل تاريخه ويعيد صياغته من جديد! هذا لا يعقل لأن التاريخ مفروض علينا، وعلينا المحافظة على محتواه ونصحح بعض الأخطاء الواردة فيه، ويقول أستاذ الفلسفة جون بيارجي " إن الماضي موجود في الحاضر ولا يمكن إلغاؤه ".
- ألا تطمحون إلى أن يصبح مجلسكم مرجعية على غرار الأزهر والزيتونة والقيروان؟
- هذه أمنيتنا. نحن أيضا مرتبطين بالعالم الإسلامي فنستفيد من الأزهر ومن غيره لأن العالم الإسلامي هو أمة واحدة ولسنا وحدنا فيه فنتشاور ونتبادل الرأي ولا نستطيع إقامة مركز يحتكر الفتوى والاجتهاد، لكن نحن ننطلق من واقع الجزائر ونحاول أن ننسجم مع الاجتهادات المتوفرة.
- كلمة أخيرة إذا أردتم؟
- أشكر جريدة "البلاد" التي اهتمت بالمجلس أكثر من غيرها فيما يبدو لي، ونحن لازلنا في بداية الطريق وأرجو أن يستمر هذا التعاون مع الصحافة الوطنية مهما كان مشربها واتجاهها والهدف هو نشر القيم السليمة التي تجمع الجزائريين وتحارب الانحرافات والأخطار والتشويهات بالقلم والكلمة الطيبة.